ياله من يوم ...

ليست هناك تعليقات
أمس ظهرا ذهبت إلى حلاقي بعد أن اتصلت به تلفونيا. قال ـ سوف أفتح بعد ساعة، هذا هو برنامجنا في رمضان. وبالفعل، ذهبت له وجلست تحت يديه مستمتعا بأحاديثه التي غالبا ما تختلط بثرثرة الزبائن الآخرين. كان الحديث السياسي طاغيا هذه المرة، متنقلا من محور لمحور. لكن فجأة علا صوت أحدهم حول اتصال أجراه مع صديق له في الموصل. كان شابا ذا صوت جهوري وقد سمعته أكثر من مرّة وهو يغني في المحل. لكنه، أمس، كان جادا وهو يقول أن صديقه الموصلي يبكي من الوضع هناك. سألناه عن “داعش” فقال أنهم لا يظهرون إلا نادرا في جولات استعراضية بأسلحتهم وأزيائهم الأفغانية. ماذا بعد؟ سألناه فقال ـ صديقي يحلف ويتكفر ويقول: والله لو عشر مفخخات يوميا ولا هالوضعية الكسيفة..فلوس ماكو..خدمات مقطوعة، وفوق هذا، خوف متعاظم من المسلحين.
ثم كما لو انه تذكر تفصيلا مهما، استدرك وقال ـ العجيب أنه يسألني عن بغداد ويقول “هل صحيح أنَّ السيطرات تنزّل السنة وتعدمهم في الشوارع"؟ هنا ضحكنا من المعلومة متخيلين ذلك في مناطق مختلطة لا تكاد تتبين طائفة الناس فيها إلا بعد جهد جهيد. أحدنا سأله ـ ماذا قلت له. فأجاب ـ ضحكت من معلوماته وقلت ـ هذه دعايات مغرضة، فالوضع في بغداد طبيعي والناس تبقى لمنتصف الليل تتجول في الشوارع دون أن يسألها أحد عما تفعل.
الحال أن ذلك لا يعني سوى شيء واحد؛ نحن في أتون حرب شائعات لا يخفت أوارها، حرب يغذيها وضعٌ شديد الغموض وانقطاع في التواصل بين المكونات. أهل الموصل لا يعلمون عن بغداد سوى ما تنقله الروايات الشفوية أو الأخبار المفبركة. بالمقابل، لا يعلم أهل بغداد ومدن الوسط والجنوب عما يجري في الموصل سوى ما ينقله اليوتيوب وتتداوله الأخبار غير المؤكدة كتلك التي ينقلها الجنود العائدون من نقاط التماس. إن هذا أخطر مغذيات الحروب الأهلية، لاسيما التي تقوم على الطائفية والجهوية، إذ كلما امتد الزمن بالانقطاع بين المتحاربين ازداد جهل كل طرف بالطرف الآخر، ومع الجهل، ينتعش سوق الشائعة ليكون، في الأخير، سوقا وحيدا لتعاطي بضاعة الكراهية المتزايدة. وكما يجري في أي سوق احتكاري يتعاطى بضاعة ما، غالبا ما يتنافس الصناع على تحسين مادتهم وتجميلها بكل ما هو غريب ومثير حتى أن كراهية الطرف الآخر تصبح، في الأخير، لذة تملك الألباب وتديم الاستمتاع بالحرب. ما قاله الموصلي في اتصاله كان تعبيرا عن الوصول لهذه المرحلة، مرحلة الجهل بالطرف الآخر لدرجة يتخيل معها أن تباد طائفة كاملة بطريقة إنزال الناس من سياراتهم وقتلهم فورا .
حين استمعت لتفاصيل المحادثة مع الموصلي تذكرت شيئا كنت قرأته قبل فترة عما يسميه أدوارد سعيد بـ"لذة الكراهية”. إنه يقول نقلا عن وليم هازلت إن هذه اللذة “تنخر في قلب الدين وتأكله وتحوّله إلى طحال ملتهب وتعصب أعمى وتجعل من الوطنية حجة لحمل النار والأوبئة والمجاعات الى بلاد أخرى ولا تبقى للفضيلة سوى روح التنديد والاحتراز الضيق الغيور والاستقصائي لأفعال الآخرين ودوافعهم”.
نعم، تذكرت هذه الشذرة بينما حلّاقي يشذب الزوائد من شعر رأسي ويقول ـ شعرك طويل هالمرة أبو الطيب! قال ذلك مستغربا بينما صاحبنا المتحدث عن اتصال الموصل يعود لروحه “الشقندحية” فيقول ـ خطيه البارحه شلون شباب اثنين كتلوهم وحركوهم! فالتفت له وصحت ـ هاي شنو ..وين؟ فضحك وقال ـ بالفيلم الهندي اللي شفته..اي تره الهنود يحرقون موتاهم ..مو صحيح استاذ؟

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

أرشيف هذيان

marwan. يتم التشغيل بواسطة Blogger.